فصل: كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: مختصر منهاج القاصدين (نسخة منقحة)



.فصل في السفر المباح:

ومن أقسام السفر أن يكون مباحاً، كسفر التفرج والتنزه، فأما السياحة في الأرض لا لمقصود، ولا إلى مكان معروف، فإنه منهي عنه. فقد روينا من حديث طاووس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا رهبانية، ولا تبتل، ولا سياحة في الإسلام». وقال الإمام أحمد بن حنبل: ما السياحة من الإسلام في شيء ولا من فعل النبيين ولا الصالحين. ولأن السفر يشتت القلب، فلا ينبغي للمريد أن يسافر إلا في طلب علم أو مشاهدة شيخ يقتدي به في سيرته.
وللسفر آداب معروفة مذكورة في مناسك الحج وغيرها.
من ذلك أن يبدأ برد المظالم، وقضاء الديون، وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته، ورد الودائع.
ومنها: أن يختار رفيقاً صالحاً، ويودع الأهل والأصدقاء.
ومنها: أن يصلى صلاة الاستخارة، وأن يكون يوم الخميس بكرة.
ومنها: أن لا يمشى منفرداً، وأن يكون أكثر سيره بالليل، ولا يهمل الأذكار والدعية إذا وصل منزلاً أو علا نشزاً أو هبط وادياً.
ومنها: أن يستصحب معه ما فيه مصلحته، كالسواك، والمشط، والمرآة، والمكحلة، ونحو ذلك.

.فصل فيما لابد للمسافر منه:

ينبغي له أن يتزود للدنيا والآخرة، أما زاد الدنيا، فالمطعم والمشرب وما يحتاج إليه.
ولا ينبغي أن يقول: أخرج متوكلاً فلا أحمل زاداً، فهذا جهل، فإن حمل الزاد لا يناقض التوكل.
وأما زاد الآخرة، فهو العلم الذي يحتاج إليه في طهارته وصلاته وعبادته، وتعلم رخص السفر، كالقصر والجمع والفطر، ومدة مسح السفر على الخفين والتيمم، والتنفل للماشي، وكل ذلك مذكور في كتب الفقه بشروط.
ولابد للمسافر من معرفة ما يتجدد بسب السفر، وهو علم القبلة والأوقات، فمعرفة ذلك في السفر آكد من الحضر. ويستدل على القبلة بالنجوم والشمس والقمر والرياح والمياه والجبال والمجرة على ما هو مبين في موضعه، ويعتبر الجبال بأن وجودها جميعها مستقبلة البيت.
وأما المجرَّة فتكون أول الليل ممتدة على كتف المصلى اليسرى إلى القبلة، ثم يلتوي رأسها حتى تصير في آخر الليل على كتفي اليمنى، وتسمى المجرة: سُرُج السماء.
وأما معرفة أوقات الصلوات، فلابد منها، ووقت الظهر يدخل بزوال الشمس، فلينصب المسافر عوداً مستقيماً، وليعلِّم علامات على رأس الظل، ولينظر، فإن رآه في النقصان علم انه لم يدخل وقت الظهر، فإذا أخذ في الزيادة علم أنه قد زالت الشمس ودخل الوقت، وهو أول وقت الظهر، وآخره إذا سرى ظل كل شيء مثله، ثم يدخل أول وقت على العصر، وآخره إلى أن يصير ظل كل شيء مثله. وعن الإمام أحمد: أن آخره ما لم تصفر الشمس، ثم يذهب وقت الاختيار، ويبقى وقت الجواز إلى غروب الشمس، وباقي الأوقات معروفة.

.كتاب الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر:

اعلم أن الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر هو القطب العظم في الدين، وهو المهم الذي بعث الله به النبيين، ولو طوى بساطه، لاضمحلت الديانة، وظهر الفساد، وخربت البلاد. قال الله تعالى: {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون}. [آل عمران: 104]، وفي هذه الآية بيانٌ أنه فرض على الكفاية لا فرض عين، لأنه قال: {ولتكن منكم أمة}، ولم يقل: كونوا كلكم آمرين بالمعروف، فإذا قام به من يكفى سقط عن الباقين، واختص الفلاح بالقائمين المباشرين له. وفي القرآن العظيم آيات كثيرة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر. وعن النعمان بن بشير رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «مثل القائم على حدود الله والمداهن فيها مثل قوم ركبوا سفينة فأصاب بعضهم أسفلها وأوعرها وشرها، وأصاب بعضهم أعلاها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا الماء مروا على من فوقهم فآذوهم، فقالوا: لو خرقنا في نصينا خرقاً فاستقينا منه، ولم نؤذى من فوقنا، فإن تركوها وأمرهم هلكوا جميعاً، وإن أخذوا على أيديهم نجوا جميعاً».

.فصل في مراتب الإنكار وبعض ما ورد فيه:

فقد جاء في الحديث المشهور من رواية مسلم، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان».
وفي حديث آخر: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». وفي حديث آخر: «إذا رأيت أمتي تهاب الظالم أن تقول له: أنت ظالم، فقد تُودِّع منهم». وقام أبو بكر رضي الله عنه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس، إنكم تقرؤون هذه الآية: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم} [المائدة: 105]، وإنا سمعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروا أوشك أن يعمهم الله بعذاب». وعنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: «لتأمرون بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليسلطن الله شراركم على خياركم فيدعو خياركم فلا يستجاب لهم».

.فصل في أركانه وشروطه ودرجاته وآدابه ونحو ذلك:

اعلم أن أركان الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر أربعة:
أحدها: أن يكون المنكر مكلفاً مسلماً قادراً، وهذا شرط لوجوب الإنكار. فإن الصبي المميز، له إنكار المنكر، ويثاب على ذلك، لكن لا يجب عليه.
وأما عدالة المنكر، فاعتبرها قوم وقالوا: ليس للفساق أن يحتسب، وإنما استدلوا بقوله تعالى: {أتأمرون الناس بالبر وتنسون أنفسكم} [البقرة: 44] وليس لهم في ذلك حجة.
واشترط قوم كون المنكر مأذوناً فيه من جهة الإمام أو الوالي، ولم يجيزوا لآحاد الرعية الحسبة، وهذا فاسد، لأن الآيات والأخبار عامة تدل على أن كل من رأى منكراً فسكت عنه عصى، فالتخصيص بإذن الإمام تحكم. ومن العجب أن الروافض زادوا على هذا فقالوا: لا يجوز الأمر بالمعروف ما لم يخرج الإمام المعصوم، وهؤلاء أخس رتبة من أن يتكلموا، لكن جوابهم أن يقال لهم إذا جاءوا إلى القاضي طالبين حقوقهم: نصرتكم أمر بالمعروف، واستخراج حقوقكم من يد من ظلمكم نهى عن المنكر، ولم يجئ زمان ذلك لأن الإمام لم يخرج بعد.
فإن قيل: في الأمر بالمعروف إثبات سلطنة وولاية على المحكوم عليه، ولذلك لم يثبت للكافر على المسلم، مع كونه حقاً، فينبغي أن لا يثبت لآحاد الرعية إلا بتفويض من السلطان.
قلنا: أما الكافر فممنوع من ذلك لما فيه من السلطة والعز، وأما آحاد المسلمين فيستحقون هذا العز بالدين والمعرفة.

.مراتب الحسبة:

واعلم أن الحسبة لها خمس مراتب:
1- التعريف:
2- والوعظ بالكلام اللطيف.
الثالثة: السب والتعنيف، ولسنا نعنى بالسب الفاحشة، بل نقول له: يا جاهل يا أحمق، ألا تخاف من الله تعالى! ونحو ذلك.
والرابعة: المنع بالقهر، ككسر الملاهي وإراقة الخمر.
والخامسة: التخويف والتهديد بالضرب، أو مباشرة الضرب له حتى يمتنع عما هو عليه، فهذه المرتبة تحتاج إلى الإمام دون ما قبلها، لأنه ربما جر إلى فتنة.
واستمرار عادات السلف على الحسبة للولد على الوالد، والعبد على السيد، والزوجة على الزوج، والرعية على الوالي؟.
قلنا: أصل الولاية ثابت للكل، وقد رتبنا للحسبة خمس مراتب. فللولد من ذلك الحسبة بالتعريف، ثم بالوعظ والنصح باللطف. وله من الرتبة الخامسة: أن يكسر العود، ويريق الخمر، ونحو ذلك، وهذا الترتيب ينبغي أن يجرى في العبد والزوجة.
وأما الرعية مع السلطان، فالأمر فيه أشد من الولد، فليس معه إلا التعريف والنصح. ويشترط كون المنكر قادراً على الإنكار، فأما العاجز، فليس عليه إنكار إلا بقلبه، ولا يقف سقوط الوجوب على العجز الحسي، بل يلتحق به خوف مكروه يناله، فذلك في معنى العجز. وكذلك إذا علم أن إنكاره لا ينفع، فيقسم إلى أربعة أحوال:
أحدها: أن يعلم أن المنكر يزول بقوله أو فعله من غير مكروه يلحقه، فيجب عليه الإنكار.
الحالة الثانية: أن يعلم أن كلامه لا ينفع وأنه إن تكلم ضرب، فيرتفع الوجوب عنه.
الحالة الثالثة: أن يعلم إن إنكاره لا يفيد، لكنه لا يخاف مكروهاً، فلا يجب عليه الأمر لعدم الفائدة، لكن يستحب لإظهار شعائر الإسلام والتذكير بالدين.
الحالة الرابعة: أن يعلم أنه يصاب بمكروه، ولكن يبطل المنكر بفعله، مثل أن يكسر العود، ويريق الخمر، ويعلم أنه يضرب عقيب ذلك، فيرتفع الوجوب عنه، ويبقى مستحباً لقوله في الحديث: «أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر». ولا خلاف أنه يجوز للمسلم الواحد أن يهجم على صفوف الكفار ويقاتل، وإن علم أنه يقتل، لكن إن علم أنه لا نكاية له في الكفار، كالأعمى يطرح نفسه على الصف، حرم ذلك، وكذلك لو رأى فاسقاً وحده وعنده قدح خمر وبيده سيف، وعلم أنه لو أنكر عليه لشرب الخمر لضرب عنقه، لم يجز له الإقدام على ذلك، لأن هذا لا يؤثر في الدين أثراً يفديه بنفسه، وإنما يستحب له الإنكار إذا قدر على إبطال المنكر، وظهر لفعله فائدة، كمن يحمل في صف الكفار ونحوه. وإن علم المنكر أنه يضرب معه غيره من أصحابه، لم تجزله الحسبة، لأنه عجز عن دفع المنكر إلا بإفضائه إلى منكر آخر، ليس ذلك من القدرة في شيء. ولسنا نعنى بالعلم في هذه المواضيع إلا غلبة الظن، فمن غلب على ظنه أنه يصيبه مكروه، لم يجب عليه الإنكار، وإن غلب على ظنه أنه لا يصيبه وجب، ولا اعتبار بحالة الجبان، ولا الشجاع المتهور، بل الاعتبار بالمعتدل الطبع، السليم المزاج. ونعنى بالمكروه: الضرب أو القتل، وكذلك نهب المال، والإشهار في البلد مع تسويد الوجه، فأما السب والشتم، فليس بعذر في السكوت، لأن الآمر بالمعروف يلقى ذلك في الغالب.
الركن الثاني: أن يكون ما فيه الحسبة منكراً موجوداً في الحال ظاهراً، فمعنى كونه منكراً أن يكون محذور الوقوع في الشرع، والمنكر أعم من المعصية، إذ من رأى صبياً أو مجنوناً يزنى بمجنونة أو بهيمة، فعليه أن يمنعه.
وقولنا: موجوداً في الحال، احتراز ممن شرب الخمر وفرغ من شربها، ونحو ذلك، فإن ذلك ليس إلى الآحاد، وفيه أيضاً احتراز عما سيوجد في ثاني الحال، كمن يعلم بقرينه حاله أنه عازم على الشرب الليلة، فلا حسبة عليه إلا بالوعظ.
وقولنا: ظاهراً، احتراز ممن تستر بالمعصية في داره وأغلق بابه، فإنه لا يجوز أن يتجسس عليه، إلا أن يظهر ما يعرفه من هو خارج الدار، كأصوات المزامير والعيدان، فلمن سمع ذلك أن يدخل ويكسر الملاهي، فإن فاحت رائحة الخمر، فالأظهر جواز الإنكار.
ويشترط في إنكار المنكر أن يكون معلوماً كونه منكراً بغير اجتهاد، فكل ما هو في محل الاجتهاد، فلا حسبة فيه، فليس للحنفي أن ينكر على الشافعي أكله متروك التسمية، ولا للشافعي أن ينكر على الحنفي شربه يسير النبيذ الذي ليس بمسكر.
الركن الثالث: في المنكر عليه، ويكفى في صفته أن يكون إنساناً، ولا يشترط كونه مكلفاً كما بينا قبله من أنه ينكر على الصبي والمجنون.
الركن الرابع: نفس الاحتساب، وله درجات وآداب.
الدرجة الأولى: أن يعرف المنكر، فلا ينبغي له أن يسترق السمع على دار غيره ليسمع صوت الأوتار، ولا يتعرض للشم ليدرك رائحة الخمر، ولا أن يمس ما قد ستر بثوب ليعرف شكل المزمار، ولا أن يستخبر جيرانه بما يجرى، بل لو أخبره عدلان ابتداءً أن فلاناً يشرب الخمر، فله إذ ذاك أن يدخل وينكر.
الدرجة الثانية: التعريف، فإن الجاهل يقدم على الشيء لا يظنه منكراً، فإذا عرف أقلع عنه، فيجب تعريفه باللطف، فيقال له: إن الإنسان لا يولد عالماً، ولقد كنا جاهلين بأمور الشرع حتى علمنا العلماء، فلعل قريتك خالية من أهل العلم.
فكهذا يتلطف به ليحصل التعريف من غير إيذاء. ومن اجتنب محذور السكوت عن المنكر، واستبدل عنه محذور الإيذاء للمسلم مع الاستغناء عنه، فقد غسل الدم بالبول.
الدرجة الثالثة: النهى بالوعظ والنصح والتخويف بالله، ويورد عليه الأخبار الواردة بالوعيد، ويحكي له سيرة السلف، ويكون ذلك بشفقة ولطف من غير عنف وغضب، وها هنا آفة عظيمة ينبغي أن يتوقاها، وهو أن العالم يرى عند التعريف عز نفسه بالعلم، وذل غيره بالجهل.
ومثال ذلك مثال من يخلص غيره من النار بإحراق نفسه، وهو غاية الجهل، ومذلة عظيمة، وغرور من الشيطان، ولذلك محك ومعيار، فينبغي أن يمتحن به المحتسب نفسه، أو باحتساب غيره عليه، أحب إليه من امتناعه باحتسابه، فإن كانت الحسبة شاقة عليه، ثقيلة على نفسه، وهو يود أن يكفى بغيره، فليحتسب، فإن باعثه هو الدين، وإن كان الأمر بالعكس، فهو متبع هوى نفسه، متوسل إلى إظهار جاهه بواسطة إنكاره، فليتق الله وليحتسب أولاً على نفسه.
وقيل لداود الطائي: أرأيت رجلاً دخل على هؤلاء الأمراء فأمرهم بالمعروف ونهاهم عن المنكر؟ قال: أخاف عليه السوط. قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه السيف، قيل: هو يقوى على ذلك، قال أخاف عليه الداء الدفين: العجب.
الدرجة الرابعة: السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن، وإنما يعدل إلى هذا عند العجز عن المنع باللطف، وظهور مبادئ الإصرار، والاستهزاء بالوعظ والنصح، ولسنا نعنى بالسب: الفحش والكذب، بل نقول له: يا فاسق، يا أحمق، يا جاهل، ألا تخاف الله، قال الله تعالى حاكية عن إبراهيم عليه السلام: {أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون} [الأنبياء: 67].
الدرجة الخامسة: التغيير باليد، ككسر الملاهي، وإراقة الخمر، وإخراجه من الدار المغصوبة، وفي الدرجة أدبان:
أحدهما: أن لا يباشر التغيير ما لم يعجز عن تكليف المنكر علي ذلك، فإذا أمكنه أن يكلفه الخروج عن الأرض المغصوبة، فلا ينبغي أن يجره ولا يدفعه.
والثاني: أن يكسر الملاهي كسراً يبطل صلاحيتها للفساد، ولا يزيد على ذلك ويتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني إن وجد إليه سبيلاً، وإن لم يقدر إلا بأن يرمى ظروفها بحجر أو نحوه، فله ذلك، وتسقط قيمة الظرف، ولو ستر الخمر بيديه، فإنه يقصد بيديه بالضرب ليتوصل إلى إراقة الخمر، ولو كانت الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس، بحيث أنه إذا اشتغل بإراقتها طال الزمان وأدركه الفساق فمنعوه، فله كسرها، لأن هذا عذر وكذلك إن كان يضيع الزمان في صبها، وتتعطل أشغاله، فله كسرها ولو لم يحذر من الفساق.
فإن قيل: فهلا يجوز الكسر زجراً، وكذلك الجر بالرجل في الإخراج من الدار المغصوبة زجراً؟
قلنا: إنما يجوز مثل ذلك للولاة، ولا يجوز لآحاد الرعية، لخفاء وجه الاجتهاد فيه.
الدرجة السادسة: التهديد والتخويف كقوله: دع عنك هذا وإلا فعلت بك كذا وكذا، وينبغي أن يقدم هذا على تحقيق الضرب إذا أمكن تقديمه. والأدب في هذه الرتبة أن لا يهدد بوعيد لا يجوز تحقيقه، كقوله: لأنهبن دارك، ولأسبين زوجتك، لأنه إن قال ذلك عن عزم، فهو حرام، وإن قاله عن غير عزم، فهو كذب.
الدرجة السابعة: مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك مما ليس فيه إشهار سلاح، وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة، فإذا اندفع المنكر فينبغي أن يكف.
الدرجة الثامنة: أن لا يقدر على الإنكار بنفسه ويحتاج إلى أعوان يشهرون السلاح، فإنه ربما يستمد الفاسق أيضاً بأعوانه ويؤدى إلى القتال، فالصحيح أن ذلك يحتاج إلى إذن الإمام، لأنه يؤدى إلى الفتن وهيجان الفساد.
وقيل: لا يشترط في ذلك إذن الإمام.

.فصل في صفات المحتسب:

وقد ذكرنا آداب المحتسب مفصلة، وجملتها ثلاث صفات في المحتسب.
العلم بمواقع الحسبة وحدودها ومواقعها، ليقتصر على حد الشرع.
والثاني: الورع، فانه قد يعلم شيئاً ولا يعمل به لغرض من الأغراض.
والثالث: حسن الخلق، وهو أصل ليتمكن من الكف، فإن الغضب إذا هاج لم يكف مجرد العلم والورع في قمعه ما لم يكن في الطبع خلق حسن. قال بعض السلف: لا يأمر بالمعروف إلا رفيق فيما يأمر به، رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به، حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به، فقيه فيما ينهى عنه.
ومن الآداب: تقليل العلائق، وقطع الطمع عن الخلق لتزول المداهنة، فقد حكي عن بعض السلف أنه كان له سنور، وكان يأخذ لسنوره في كل يوم من قصاب في جواره شيئاً من الغدد. فرأى على القصاب منكراً، فدخل الدار فأخرج السنور، ثم جاءه فأنكر على القصاب، فقال: لا أعطيك بعد هذا شيئاً لسنورك، فقال: ما أنكرت عليك إلا بعد إخراج السنور وقطع الطمع منك، وهذا صحيح، فإن لم يقطع الطمع من الناس من شيئين لم يقدر على الإنكار عليهم.
أحدهما: من لطف ينالونه به.
والثاني: من رضاهم عنه وثنائهم عليه.
وأما الرفق في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فمتعين، قال الله تعالى: {فقولا له قولاً ليناً} [طه: 44]. وروى أن أبا الدرداء رضي الله عنه مر على رجل قد أصاب ذنبا والناس يسبونه، فقال: أرأيتم لو وجدتموه في قليب، ألم تكونوا مستخرجيه؟ قالوا: بلى، قال: فلا تسبوا أخاكم، واحمدوا الله الذي عافكم، فقالوا: أفلا تبغضه؟ فقال: إنما أبغض عمله، فإذا تركه، فهو أخي.
ومر فتى يجر ثوبه، فهم أصحاب صلة بن أشيم أن يأخذوه بألسنتهم أخذاً شديداً، فقال صلة: دعوني أكفكم أمره، ثم قال: يا ابن أخي، إن لي إليك حاجة. قال ما هي؟ قال: أحب أن ترفع إزارك، قال نعم ونعمى عين فرفع إزاره، فقال صلة، لأصحابه: هذا كان أمثل مما أردتم، فإنكم لو شتمتموه وآذيتموه لشتمكم.
وُدعي الحسن إلى عرس، فجئ بجام من فضة فيه خبيص، فتناوله وقلبه على رغيف، فأصاب منه، فقال رجل: هذا نهى في سكون.

.باب المنكرات المألوفة في العادات:

وفي الإنكار على الأمراء والسلاطين، وأمرهم بالمعروف، ولنذكر في ذلك فصلين:

.الفصل الأول:

اعلم أن المنكرات المألوفة في العادات لا يمكن حصرها، لكنا نشير إلى جمل يستدل بها على أمثالها، فمن ذلك:
منكرات المساجد:
مما يشاهد كثيراً في المساجد إساءة الصلاة بترك الطمأنينة في الركوع والسجود وكذلك كل ما يقدح في صحة الصلاة، من نجاسة على ثوب المصلى لا يراها، أو انحراف عن القبلة بسبب عمى أو ظلام. ومن ذلك اللحن في القراءة. واشتغال المعتكف بإنكار هذه الأشياء وتعريفها أفضل له من نافلة يقتصر عليها. ومن ذلك: تراسيل المؤذنين وتطويلهم مد كلماته.
ومن ذلك: أن يكون على الخطيب ثوب حرير، أو بيده سيف مذهب.
ومن ذلك: ما يجرى من القصاص في المساجد من الكذب، والأشياء المنهي عنها، كالخوض في الكلام الموجب للفتن، ونحو ذلك.
ومن ذلك أن يكون الرجال مختلطين بالنساء، فينبغي إنكار ذلك عليهم.
ومنها: الحلق يوم الجمعة لبيع الأدوية والأطعمة، والتعويذات، وقيام السؤال، وإنشادهم الأشعار، ونحو ذلك. فهذه منها ما هو حرام، ومنها ما هو مكروه.
منكرات الأسواق:
ومن ذلك: الكذب في المرابحة: وإخفاء العيب، فمن قال: اشتريت هذه السلعة بعشرة، ورابح درهاً، وكان كاذباً، فهو فاسق. ويجب على من عرف ذلك أن يخبر المشترى بكذبه، فإن سكت مراعاة للبائع، كان شريكاً له في الخيانة. وكذلك إذا علم العيب، لزمه أن يبينه للمشترى، وكذلك التفاوت في الميزان والذراع، يجب على كل من عرفه تغييره، إما بنفسه، أو برفعه إلى الوالي حتى يغيره.
ومنها: الشروط الفاسدة، واستعمال الربا، وبيع الملاهي، والصور المجسمة، ونحو ذلك.
منكرات الشوراع:
ومن ذلك بناء دكان متصلة بالأبنية المملوكة، وإخراج الأجنحة، وغرس الأشجار إذا كان ذلك يؤدى إلى تضييق الطريق والإضرار بالمارة، فأما وضع الحطب والطعام في الطريق بمقدار ما ينقل إلى البيوت فجائز، فإن ذلك يشترك الكافة في الحاجة إليه.
ومن المنكرات: ربط الدواب على الطريق بحيث تضيق وتؤذى الناس، فيجب المنع من ذلك، إلا إذا كان بمقدار الحاجة للنزول والركوب.
ومن ذلك: تحميل الدواب من الأحمال ما لا تطيق، وكذلك طرح الكناسة على جواد الطريق، وتبديد قشور البطيخ، أو رش الماء بحيث يخشى منه الزلق، والماء الذي يجتمع في ميزاب معين. فأما إن كان من المطر، فذلك على الولاة، وليس للآحاد في ذلك إلا الوعظ.
منكرات الحمامات:
من ذلك: صور الحيوانات على باب الحمام أو داخله، ويكفى في زوال ذلك أن تشوه وجوه الصور، بحيث يبطل تصويرها. ومن لم يقدر على الإنكار، لم يجزله الدخول إلا لضرورة، وليعدل إلى حمام آخر.
ومن ذلك: كشف العورات، والنظر إليها، وكشف المدلك عن الفخذ، وما تحت السرة، لتنحيه الوسخ أو مس العورة.
ومنها: غمس اليد والأواني النجسة في المياه القليلة، فإن فعل ذلك مالكي، لم ينكر عليه، بل يتلطف به، ويقول له: يمكنك أن لا تؤذيني بتفويت الطهارة على.
منكرات الضيافة:
من ذلك: فرش الحرير للرجال، والبخور في مجمررة فضة أو ذهب، والشرب فيهما، استعمال ماء الورد منهما، وكذلك تعليق الستور وفيها الصور، وسماع القينات والأوتار، واطلاع النساء على الشباب الذين تخاف فتنتهم، فكل ذلك منكر يجب تغييره، ومن عجز عن تغييره لزمه الخروج. وأما الصور على النمارق والبسط، فليس بمنكر، وكذلك الفرش والحرير، والذهب للنساء، فانه جائز، ولا رخصة في تثقيب آذان الصبية لأجل تعليق حلق الذهب، فإن ذلك جرح مؤلم لا يجوز، وفي المخانق والأسورة كفاية عن ذلك والاستئجار على ذلك غير صحيح، والأجرة المأخوذة عليه حرام. ومن ذلك أن يكون في الضيافة مبتدع يتكلم في بدعته، فلا يجوز الحضور معه إلا لمن يقدر على الرد عليه، وإن لم يتكلم المبتدع جاز الحضور مع إظهار الكراهة له والإعراض عنه، وإن كان هناك مضحك بالفحش والكذب، لم يجز الحضور، ويجب الإنكار، فإن كان مزحاً لا كذب فيه ولا فحش، أبيح ما لم يقل من ذلك، فأما اتخاذه صناعة وعادة فيمنع منه.
المنكرات العامة:
من تيقن أن في السوق منكراً يجرى على الدوام، أو في وقت معين وهو قادر على تغييره، لم يجز له أن يسقط ذلك عنه بالقعود في بيته، بل يلزمه الخروج، فإن قدر على تغيير البعض لزمه.
وحق عل كل مسلم أن يبدأ بنفسه، فيصلحها بالمواظبة على الفرائض وترك المحرمات، ثم يعلم ذلك أهله وأقاربه، ثم يتعدى إلي جيرانه وأهل محلته، ثم إلي أهل بلده، ثم إلي السواد كذلك إلي أقصى العالم، فإن قام بذلك الأقرب، سقط عن الأبعد، وإلا خرج به كل قادر عليه.